رباب كساب : ابتسامة وحيدة


 

مرة أخرى يسحقها المرض، تتساند على حائطها البالي في شقتها الصغيرة، على الأثاث المتهالك، تعود لحجرتها، تُلقي بجسدها المنهك على السرير، تشعر فجأة بأنها قد انفصلت تماما عن الدنيا، لحظات كأنها دهر.

تسترد وعيها، تتذكر أنها لم تطفئ عيون البوتاجاز، تتجه عيناها ببطء نحو الساعة، دقائق ويُرفع آذان المغرب.

تحاملت مرة أخرى على الجسد المريض، فاجأها دوار جديد، تماسكت، لو لم تكن صائمة لمدت يدها لكوب ماء أو تناولت قطعة مخلل ( كان ينقصني الضغط المنخفض !!).

حملت الطبق الوحيد، ذهبت حيث التليفزيون، تشاهد كافة مسلسلات رمضان لكنها لا تعرف محتواها!

تتلكأ اليوم في تناول طعامها، لا لشيء سوى لفقدها القدرة على حمل الملعقة لفمها.

بدلت قنوات التليفزيون، البرامج تستضيف كل فلول النظام السابق، تضحك لما يقولون، تواصل التقليب وهي تشرب الشاي.

تتذكر طبيبها وهو يقول : الشاي ممنوع، القهوة ممنوعة ، السجائر حذاري منها.

قالت وهي ترسم ابتسامتها المعتادة على وجهها الصغير : لماذا لا تكتب لي دواء يميتني أفضل من الحياة مع كل تلك الممنوعات؟

تأخذ نفسا من سيجارتها تعقبه برشفة من كوب الشاي وهي لازالت تبتسم، ترفع صوت التليفزيون لتتجنب سماع رنين الهاتف الذي لم تشأ الرد عليه أو حتى ضغط زر غلق الصوت.

تلتفت للمرآة الصغيرة الموجودة إلى جوارها، ترفعها قبالتها، لها مدة طويلة لم تصبغ شعرها، ابتسمت من جديد وقالت : ماذا لو حصلت على صبغة كصبغة المخلوع ؟!

باتت تخجل من الذهاب للكوافير لصبغ شعرها أو لتزجيج حاجبيها، تسمع لغط الجيران حين يلمحون بعد عودتها وجها المحمر أثر الفتلة.

-         ألم تكبر على ذلك ؟! ألا تراعي سنها ؟ لمن تتجمل ؟!

يلومون عليها حتى حقها في التجمل، تلجأ لإحداهن لتعطيها حقنة فألمها اليوم شديد.

تتصل بالخادمة لتحدد معها موعدا لتنظيف الشقة قبل العيد، تتخابث الخادمة وتعطيها موعدا متأخرا كأنها ليست مثل زبوناتها الأخريات.

تعرف أنها تقول هي الأخرى : ومن يأتيها في العيد ؟ لمن تفرش الجديد وتُخرج الثمين ؟!

قبلت بالموعد المتأخر على مضض.

أخرجت حافظة نقودها وضعت على جانب بعيد عن مصروفاتها اليومية ثمن كعك العيد.

لم تغير شيئا مما اعتادت حتى بعد الثورة.

عادت تتطلع لوجهها في المرآة من جديد، حددت ما زاد من تجاعيد بدقة وهي تقول : كريم الوجه الجديد المقاوم لعلامات السن كما يقولون في الإعلان خائب هو الآخر لم يأت بنتيجة.

لملمت شعرها المرسل على كتفيها، عقصته لأعلى قبل أن تقرر أن تلقي بكل أفكارها تحت سيل من الماء الفاتر.

انتعشت قليلا، داهمتها رغبة بأن تتناول سحورها في الخارج بين الناس.

نفضت الفكرة تحت الوجع الذي تعانيه.

انقضت ساعة أخرى تقلب في القنوات المملة، لا تستقر على قناة ولا تخرج بشيء من هذه الثرثرة.

تشتعل رغبتها من جديد في الخروج، ارتدت ملابسها، بمجرد خروجها داعبت وجهها نسمات هواء أنعشت جسدها اليابس المتعب.

جلست بين الناس تنتقل عيناها بينهم في جولات استطلاعية تحبها وتعشقها دائما، لمست هذه المرة شيئا مختلفا، كأنه سحر الكرامة التي ملأت الجو منذ شهور هو السبب.

أكلت بشراهة، توجهت للمقهى وهناك شربت كوب الشاي الأخير وكذا سيجارتها الأخيرة قبل آذان الفجر.

إحساس بالنشوة والسعادة يتسرب إليها، شعرت بخفة روحها، نادت صبي المقهى الذي جاءها على عجل، همست في أذنه ببضع كلمات وأعطته ورقة صغيرة، قرأ الورقة ونفذ ما طلبت على الفور، التفت إليها ليخبرها بأن محدثه لم ….

قطع حديثه، نطق الشهادتين وأسبل جفنيها

مواضيع ذات صلة

  1. رباب كساب : للعاديين كلمة
  2. رباب كساب : طلعنا ما بنفهمشي
  3. رباب كساب : ياريتني أعرف أعمل حاجة
  4. غادة عاطف : غزالات وحيدة للنشوى
  5. معتصمو التحرير ينظمون مسيرة إحتجاجية لمجلس الوزراء.. ويؤكدون إصرارهم على مواصلة الإعتصام

One Response to “رباب كساب : ابتسامة وحيدة”

  1. مصطفى حمد .. says:

    بين أركان حديقة المنزل الذى يعيش فيه والذى يختلف عن طبيعة باقى المنازل الأخرى,يسير هائما فى جوانب الحديقة ؛بلا هدف لا يعرف فيما يفكر أو كيف يفكر وكل فكرة تخرج من عقله مقيدة بسلاسل ، ولا ترى النور ما دامت صالحة؛فكف عن التفكير وجعل كل أفكاره حبيسة داخل جدار عقله.

    تنظر عينيه الى ما حوله ولكن قلبه ينظر الى السماء متمتما بالدعاء

    يلتفت خلفه فيرى رجل دائما ما ينظر الية؛فيعدل من وجهته وينظر أمامه الى ذلك السور الضخم الذى يحاوط الحديقة من جميع الجهات و يقول لنفسه فى صوت خافت لا يسمعه الا نفسه:

    مادمت لا أستطيع التفكير ..أحلم!

    ومع أنه لا يحب الأحلام لأنها تأخذه فى النهاية الى سراب أغلق عينيه وراح يحلم .فحلم بأنه تخطى ذلك السورالمخيف المرتفع ،ورأى الرجال والنساء والاطفال الذى كان يجلس معهم قبل أن يدخل ذلك المنزل الملعون.

    فهم أناس لا ترى فى وجوههم سوى الطيبة ولا يعرفوا غير الحب والسماحة فذهب اليهم وجلس معهم وتحدث لهم فأخذوا يسألونه عما استصعب عليهم من الامور ويجيب عليهم ،ففرح أنه استطاع معهم أن يفكر وأن يستخدم عقله..وتمنى أن يبقى معهم دائما فهم لا ينظرون له نظرة مخالفة عن أنه رجل يسعى دائما لنصرة العدل وتحقيق الحرية للجميع.وأخذ يسمع صيحاتهم فرحا بعودته؛ ذلك الرجل الصالح الذى يفعل الخير ويدافع عن الحق .

    ومع أنه كان سعيدا لأنهم لم ينظروا له تلك النظرة التى يجدها فى ذلك المنزل وأنهم حوله وليس وحيدا كما يجد نفسه فى المنزل,فكان يريد أن يشعر بالحرية فعندما ينظراليهم يقول لنفسه فى صوت ضعيف يحمل فى طياته نبرات تدل على الحزن:

    الحرية.. الحرية

    وأخذ ينظر الى السماء والى الشمس -الذى تخيل بأنهما يداعباه -والى الحدائق وجمالها وروعتها والاشجار والطيور الصداحة فوقها,وراح يسيرفوق الارض الخضراء وكسر الاحساس بالخوف,وتمنى الا يستيقظ من حلمه حتى لا يعود الى ذلك المنزل الذى يقيٍِِد حريته

    وما لبث ينهى حلمه اذ وجد ذلك الشخص الذى يقف خلفه يقول له بقوة:

    الى زنزانتك أيها السجين

    وجذبه بشدة الى الزنزانه بطريقة مماثلة للطريقة الذى نطق بها اسمه ..

    فنظر الى السماء -قبل أن يدخل الزنزانة- وكأنه لم يرها بعد ذلك قائلا” اللهم أن الظالم مهما كان سلطانه لا يمتنع منك فسبحانك أنت مدركه أينما سلك، وقادر عليه أينما لجأ يا رب ها أنا ذا يا ربي أسير سجين في يدي الظالم،مغلوب على أمرى وضاقت حيلتى اللهم أنى أستغيث بك فلك الحمد سميعاً بصيراً لطيفاً قديراً”

    وبكى وتمنى أن يستجيب الله لدعائه ويخرج من هذه الزنزانة المظلمة المخيفة الذى لا يشعر فيها الا بالحزن ولا يستطيع فيها تحقيق حلمه -وهو الشعور بالحرية-!!!

Leave a Reply

تصويت

هل ستنزل يوم 25 يناير لإستكمال الثورة أم للأحتفال ؟

نتائج

Loading ... Loading ...