الأزمة البريطانية الروسية.. كرة النار تتجاوز أوروبا

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

 

قنبلة موقوتة وضعتها بريطانيا بين روسيا والدول الأوروبية أحدثت تأثيرًا مدمرًا في العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين، التي ما لبثت أن ظهر عليها بوادر التحسن والتفاهم، لكن يبدو أن تأثير القنبلة ومداها تخطى الحدود الأوروبية، ليصل إلى بعض دول أمريكا الشمالية وآسيا أيضًا، الأمر الذي جعل المشهد السياسي أشبه بحرب دبلوماسية شاملة على الدولة السوفيتية السابقة.

أمريكا تجد ضالتها

أمر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أمس الاثنين، بطرد 60 دبلوماسيًا روسيًا، وإغلاق قنصلية موسكو في مدينة سياتل الواقعة شمال غرب الولايات المتحدة؛ على خلفية قضية تسميم ضابط الاستخبارات الروسي السابق المتورط في التجسس لصالح المملكة المتحدة، سيرجي سكريبال وابنته، باستخدام غاز مشل للأعصاب، حيث أمهلت الخارجية الأمريكية في بيان لها، موسكو حتى 2 أبريل المقبل لإغلاق قنصليتها.

وأكد مسؤول رفيع المستوى في البيت الأبيض، إن الخطوة تطال على وجه الخصوص، 12 وكيلًا استخباراتيًا روسيًا يعملون ضمن بعثة موسكو في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، وأشار إلى أن الخطوة تعكس قلق واشنطن من أن “الأنشطة الاستخباراتية الروسية تزداد عدوانية أكثر فأكثر”، وتوعد المسؤول رفيع المستوى، باتخاذ خطوات عقابية جديدة حال اتخاذ الحكومة الروسية إجراءات مضادة، مشددًا على وقوف الولايات المتحدة إلى جانب بريطانيا في قرارها عدم تسليم روسيا عينات من المادة السمية التي قتل بها العميل المزدوج “سكريبال” وابنته في مدينة سولزبوري البريطانية في 4 مارس الجاري.

على الجانب الآخر، ردت روسيا على التجاوز الأمريكي بالقول إن “الولايات المتحدة تسيء استخدام حقوقها كدولة تستضيف مقر الأمم المتحدة”، حيث قال مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا “موظفو بعثة روسيا الدائمة لدى الأمم المتحدة، معتمدين لدى الأمم المتحدة، وينفذون واجباتهم الوظيفية في إطار المنظمة فقط”، وأوضح أنه “بما أن الوكالات المركزية للأمم المتحدة تقع على أراضي الولايات المتحدة، فإن على الدولة المستضيفة واجب خاص لتكريم امتيازات للموظفين العاملين ضمن البعثات الدائمة للدول الأعضاء وتوفير الحصانة لهم، بالإضافة إلى الموظفين لدى الأمين العام للأمم المتحدة، والذين يحملون جنسيات من دول أخرى، فالوثائق الرئيسية التي تنظم وضع موظفي البعثات الدائمة في الولايات المتحدة، هي اتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة في عام 1946، وأيضًا الاتفاق بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة حول مقر الأمم المتحدة عام 1947”.

وأضاف نيبينزيا: “بطرد الدبلوماسيين الروس، فضلًا عن غيرها من الخطوات غير الودية الأخيرة، سواء منع الوصول إلى الممتلكات الدبلوماسية الروسية، أو عدم إصدار التأشيرات لموظفي البعثة وغيرها، يمكن اعتباره إساءة لاستخدام الولايات المتحدة لحقوق والتزامات الدولة المضيفة”.

بريطانيا أشعلت الفتيل

الولايات المتحدة وجدت ضالتها في الأزمة التي اندلعت قبل أسابيع بين روسيا وبريطانيا، واتسعت رقعتها مؤخرًا لتضم بعض دول الاتحاد الأوروبي، حيث جاء القرار الأمريكي بالتزامن مع اتخاذ نحو 21 دولة، منها 16 أعضاء في الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى كندا وأوكرانيا وألبانيا واستراليا ومقدونيا، قرارات بترحيل دبلوماسيين روس على خلفية الاتهامات الموجهة إلى موسكو بالوقوف وراء تسميم “سكريبال”، حيث بدأت الأزمة بطرد بريطانيا 23 دبلوماسيًا روسيًا من أراضيها، وجمّدت العلاقات الثنائية مع موسكو, لترد الأخيرة بالمثيل طاردة 23 دبلوماسيًا بريطانيًا من موسكو، إضافة إلى إغلاق المراكز الثقافية البريطانية في الدولة، لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل صعدت لندن من خطواتها العدائية تجاه موسكو، واتجهت إلى حشد التأييدات من حلفائها الأوربيين والغربيين لاتخاذ مواقف مماثلة وهو ما نجحت فيه بالفعل.

عملية الطرد تفاوتت بين الدول وبعضها، حيث طردت الولايات المتحدة الأمريكية 60 دبلوماسيًا، ليكون العدد الأكبر بين الدول المعادية لروسيا، وجاءت في المرتبة الثانية أوكرانيا التي طردت 13 دبلوماسيًا، فيما طردت ألمانيا وفرنسا وبولندا وكندا أربعة دبلوماسيين روس لدى كل منها، وطردت جمهورية التشيك وليتوانيا ثلاثة دبلوماسيين، أما الدانمارك وإيطاليا وهولندا وإسبانيا وألبانيا فطردوا دبلوماسيين، واكتفت كرواتيا وإستونيا وفنلندا ولاتفيا ورومانيا والسويد بطرد دبلوماسي روسي واحد، وانضمت اليوم الثلاثاء إلى القائمة استراليا، التي قررت طرد دبلوماسيين اثنين، ومقدونيا التي اختارت طرد دبلوماسي روسي واحد.

دول تمتنع

لاتزال بعض الدول الأوروبية والغربية تتخذ موقفًا متعقلًا من الأزمة التي يبدو أنها تتجه إلى وصفها بالعالمية، حيث امتنعت بعض الدول الأوروبية والغربية عن اتخاذ موقف متسرع على غرار جيرانهم، وعلى رأسها النمسا، حيث صرحت وزيرة الخارجية النمساوية، كارن كنايسل، أن بريطانيا ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية لم تقدما أدلة قطعية على تورط روسيا في تسميم الجاسوس البريطاني، وأضافت أنه لهذا السبب لم تتخذ حتى اليوم قرارًا بطرد دبلوماسيين روس.

من جهتها، قالت رئيسة وزراء نيوزيلندا، جاسيندا أرديرن، إن سلطات بلادها لن تطرد الدبلوماسيين الروس، إذ أنه لا يوجد بينهم جواسيس، وأضافت اليوم الثلاثاء: في الوقت الذي تعلن فيه الدول الأخرى عن طرد من تعتبرهم عملاء المخابرات الروسية، تم إبلاغي بغياب مثل هؤلاء الأشخاص في نيوزيلندا.

بدورها، أكدت تركيا أيضًا أنها لن تتخذ مثل هذه الخطوة، حيث قال المتحدث باسم الحكومة التركية، إن بلاده لن تتخذ قرارًا ضد روسيا، مضيفًا: أن بلاده لن تتدخل في قرارات موسكو ولندن.

روسيا تدين وتتوعد

المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، رأت أن بريطانيا “تضع قنبلة موقوتة” في العلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي، حيث قالت إن رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، وصلت إلى قمة الاتحاد الأوروبي، لتدعو إلى التضامن ووحدة نهج السياسة الخارجية، التي تعتبر بمثابة قانون بالنسبة لدول الاتحاد الأوروبي، لكن الجميع نسوا أن بريطانيا خرجت من الاتحاد الأوروبي.

وتابعت المتحدثة باسم الخارجية الروسية: “لم يبق اليوم أي مجال للشك بشأن من يقف وراء الاستفزاز الذي تم تدبيره على الأراضي البريطانية”، مضيفة أنها “قوى ضخمة داخل الولايات المتحدة وبريطانيا”، واعتبرت المتحدثة أن ما يحدث الآن هو استمرار للهجوم الشامل على روسيا، على الصعيد الإعلامي والدعائي والسياسي وغيرها، وجددت التأكيد على أن روسيا سترد بشكل مناسب على كافة الإجراءات التي اتخذتها ضدها الدول الأوروبية، وستتخذ إجراءات ضد كل دولة منها.

من جانبها، أوضحت الخارجية الروسية في بيان لها أمس الاثنين، أن هذه الخطوات الاستفزازية لن تمر مرور الكرام، ولن تبقى من دون رد، مضيفة: نعبر عن احتجاجنا الشديد على القرار الذي اتخذته بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو بترحيل دبلوماسيين روس، مشددة: نعتبر هذه الخطوة غير صديقة ولا تتناسب مع مهام ومصالح الكشف عن أسباب الواقعة التي حدثت في 4 مارس الجاري بمدينة سالزبوري والبحث عن المسؤولين.

وأكدت الرئاسة الروسية أن موسكو ستنطلق من مبدأ الرد بالمثل في تعاملها مع طرد عشرات الدبلوماسيين الروس من مجموعة دول أجنبية، وقال المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف: “يجب علينا تحليل الوضع الذي يتشكل على خلفية إعلان القرارات حول طرد عدد من دبلوماسيينا من بعض الدول الأجنبية، وسيجري العمل الأساسي في وزارة خارجيتنا، ومن ثم سيتم عرض المقترحات الخاصة بهذه القضية والخطوات الجوابية على الرئيس الروسي، وأوضح: بالطبع ستنطلق موسكو، مثل ما كان في سابق، من مبدأ الرد بالمثل، لكنه لفت إلى أن القرار النهائي سيتخذه رئيس الدولة الروسية، فلاديمبر بوتين.

محاولة تحجيم

وتأتي كل الخطوات العدائية والتصعيدية الأوروبية والغربية تجاه روسيا، في الوقت الذي لاتزال فيه منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تعمل على تحليل العينات التي جمعها فريق المنظمة من الموقع الذي تمت فيه عمليه التسميم، وأكدت المنظمة أن الأمر سيستغرق ما بين أسبوعين إلى 3 أسابيع للانتهاء من تحليل العيّنات، في حين لم تقدم الشرطة البريطانية بعد أي فرضية موحدة لما حدث في مدينة سالزبوري، كما أن السلطات البريطانية ترفض تمامًا إطلاع الجانب الروسي على أي معلومات بشأن الحادث، الأمر الذي يعني أن الدول الأوروبية والغربية بصدد تبني نهج تصعيدي وعدائي في مواجهة روسيا دون النظر إلى ملابسات ما حدث أو التحقق من المسؤول عنه من عدمه، وهو ما يثبت أن الدول المعادية لروسيا وجدت في حادث “سكريبال” ضالتها لشن حرب دبلوماسية سياسية على روسيا، إن لم يكن مؤامرة دولية تم التخطيط والتكتيك لها مسبقًا بإحكام لإضعاف روسيا وعزلها دوليًا.

إجراءات الطرد والطرد المضاد للدبلوماسيين الروس أوروبيًا وغربيًا، تُعيد إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة التي كانت سائدة في العالم قبل انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، حيث رأى العديد من المراقبين أن هذه الأحداث المتسارعه ما هي إلا جزء من صفقة مبرمة بين لندن التي تمر بمرحلة صعبة جراء انسحابها من الاتحاد الأوروبي، وحليفتها واشنطن التي تحاول بكل الطرق تحجيم النفوذ الروسي، معتبرين أن هذا العمل المُعادي لموسكو دبرته ونفذته أجهزة الاستخبارات الغربية، وفقًا لتعليمات من الولايات المتحدة.

بالنظر إلى الأحداث، نجد أن واشنطن ولندن، المستفيدتان الأساسيتان من الحرب العدائية ضد روسيا، إذ أن الدافع الرئيس للقضية لكليهما، المكاسب الاقتصادية والسياسية، فالولايات المتحدة الأمريكية هدفها الأول تهميش روسيا في سوق الطاقة الأوروبية الذي شرعت موسكو في السيطرة عليه، فضلًا عن محاولات واشنطن الحفاظ على ما تبقى من هيمنتها على دول العالم، في ظل تصاعد النفوذ السياسي الروسي في دول العالم، خاصة في الشرق الأوسط الذي كان الملعب المفضل لأمريكا، ناهيك عن محاولات إضعاف النفوذ الاقتصادي الروسي المتحالف مع القوة الاقتصادية الصاعدة المتمثلة في الصين، الأمر الذي ظهر سابقًا في الحرب التجارية التي شرع الرئيس الأمريكي في شنها على العالم مستهدفًا بالأخص تلك الدولتين.

أما بريطانيا فتسعى إلى ضمان ممول حقيقي وحليف قوى لها بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، فلم تجد أفضل من حليفتها الأمريكية القديمة، لتبرم معها صفقه سياسية مفادها مساهمة بريطانيا في نزع النفوذ الروسي من العالم أو من أوروبا بشكل مبدئي، وفرض عزلة سياسية ودبلوماسية على هذا المنافس القوى وتشويه صورته وإظهاره على أنه قوة شيطانية مُهددة للاستقرار في العالم، مقابل تقديم واشنطن غطاء ودعم سياسي واقتصادي للندن وتحمل معها أعباء الخروج من الاتحاد الأوروبي.