الصحافة أمن دولة.. وليست جريمة أمن دولة

قبل سنوات قليلة كان “الصحفيون الأحرار” ومن والاهم من المؤمنين بالحقوق والحريات يرفعون شعار “الصحافة ليست جريمة” احتجاجا على حبس الصحفيين في قضايا النشر، واحتجاجا على أي اعتداء على الصحفيين أثناء أداء عملهم. ومع دخولنا “أزهى عصور الحرية والديمقراطية” مع دستور 2014 الذي تم وضعه بحسن نية، سقط سقف حرية التعبير والرأي على رأس الجميع، وبعد أن كان الصحفيون يرفعون شعار “الصحافة ليست جريمة” أصبح عليهم اليوم رفع شعار “الصحافة ليست جريمة أمن دولة”، بعد قرار إحالة الزميل محمد السيد صالح رئيس تحرير المصري اليوم السابق و8 من الزملاء المحررين في الصحيفة إلى نيابة أمن الدولة العليا طوارئ للتحقيق معهم في “جريمة نشر” تتمثل في العنوان الرئيسي للطبعة الأولى من الصحيفة الصادرة يوم الخميس 29 مارس الماضي بشأن الانتخابات.

في هذه الأجواء التي زاد فيها عدد الصحفيين المحبوسين أو المطلوبين للتحقيق في قضايا تتعلق بعملهم الصحفي أو الإعلامي، يجب التذكير بالمادة 71 من الدستور التي تقول “يحظر بأي وجه فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها. ويجوز استثناء فرض رقابة محددة عليها في زمن الحرب أو التعبئة العامة، ولا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية، أما الجرائم المتعلقة بالتحريض علي العنف أو بالتمييز بين المواطنين أو بالطعن في أعراض الأفراد، فيحدد عقوباتها القانون”.

والحقيقة أن موقف نقابة الصحفيين ومجلسها الموقر من الهجمة التي تتعرض لها حرية الرأي بشكل عام والصحافة المستقلة بشكل خاص، لا يتناسب مع خطورة الموقف. فالبيان الصادر عن النقابة بشأن استدعاء 9 صحفيين إلى نيابة أمن الدولة العليا طوارئ اكتفى بالقول إنه “يتابع عن كثب المشكلة التي تعرضت لها صحيفة “المصري اليوم” وموقع “مصر العربية” وطالب المجلس تفعيل المادة (71) من الدستور وتفعيل التفاهم بين النائب العام وبين نقابة الصحفيين على ضوء ما تم في لقاء النقيب والنائب العام الذى عقد مؤخراً والاتفاق بعدم جواز الحبس في قضايا النشر ورفض دفع أية كفالات في قضايا النشر”.

ولم يتطرق البيان إلى خطورة إحالة صحفيين في قضايا نشر ورأي إلى محكمة أمن الدولة العليا طوارئ وكأنهم متورطون في جرائم إرهابية، ولم يتطرق إلى خطورة “العقاب الجماعي” واستدعاء 9 صحفيين للتحقيق معهم في “خبر واحد” تم نشره طبعة واحدة من طبعات الصحيفة. ولم يدافع عن حق النشر والتعبير باعتباره هو الأصل في الأمور وأن الاستثناء هو محاسبة الصحفي عما ينشر، ولا يكون إلا في حالة وجودة جريمة نشر كاملة الأركان وواضحة للعيان، وليس بعنوان صحفي يحتمل في أسوأ الأحوال أكثر من تأويل، لأنه في هذه الحالة يجب أن يكون التأويل لصالح الصحفي وليس العكس.

وبعيدا عن موقف نقابة الصحفيين وبيانها الذي لم يناسب خطورة ما تواجهه الصحافة وحرية التعبير في مصر من تضييق وحصار، دفع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش إلى الإعراب عن قلقه إزاء الأفق السياسي الضيق في مصر.. وفرض قيود صارمة على حرية التعبير في مصر، التي تتعارض مع الدستور المصري والمعاهدات الدولية” بحسب ما قاله المتحدث باسم الأمين العام “ستيفان دوجريك”، قبل أيام، نؤكد أن الصحافة الحرة هي من صميم “أمن الدولة” وليست أبدا “جريمة أمن دولة”.

فالصحافة الحرة القادرة على إلقاء الضوء على أخطاء السلطة، وتصويب هذه الأخطاء، تعد أحد مكونات منظومة الأمن القومي في أي مجتمع لأنها ببساطة شديدة تحول دون مواصلة الأخطاء وتطرح البدائل أمام صناع القرار، وتضمن للمجتمع وسيلة سلمية للتعبير عن مواقفه. أما تغييب هذا النوع من الصحافة والإعلام والاكتفاء بإعلام الصوت الواحد المؤيد دائما لكل ما تتخذه السلطة من قرارات والمسفه دائما لأي رأي أو موقف معارض، فهو بالفعل جريمة ضد أمن الدولة.