في ذكرى استشهاد عبد القادر الحسيني.. الخيانة والهزيمة صنوان

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

“إنني ذاهب إلى القسطل وسأقتحمها وسأحتلها ولو أدى ذلك إلى موتي، والله لقد سئمت الحياة وأصبح الموت أحب إلي نفسي من هذه المعاملة التي تعاملنا بها الجامعة، إنني أصبحت أتمنى الموت قبل أن أرى اليهود يحتلون فلسطين، إن رجال الجامعة والقيادة يخونون فلسطين”.

كانت هذه الكلمات آخر ما قاله الشهيد عبد القادر الحسيني لرجال الجامعة العربية في دمشق بعد أن طلبوا منه عدم الذهاب إلى القسطل لتحريرها بعد ان استولى عليها الصهاينة.. ولم يكتف رجال الجامعة بإثنائه عن تحرير القسطل.. بل أخبروه أن جامعة الدول العربية قد أوكلت قضية فلسطين إلى لجنة عربية عسكرية عليا.. وأن عليه ألا يقوم بأي تصرفات فردية من شأنها أن تفاقم الأوضاع.

كان عبد القادر يعلم بحسه الوطني وبصيرته النافذة أن معركة القسطل ستكون فاصلة في تاريخ فلسطين، وكان على ثقة كاملة أنه يستطيع كسر شوكة الصهاينة في القدس إلى الأبد.. وما يعنيه ذلك من إمكانية دحرهم في أنحاء فلسطين.. بشرط أن تقدم الجامعة العربية كامل الدعم العسكري للمجاهدين، والحقيقية المؤسفة أن هذه الجامعة ورجالها حالوا بكل الطرق دون وصول السلاح إلى أيدي المجاهدين.

حاول عبد القادر الحسيني الحصول على السلاح بكل الوسائل، في مصر اشترى بعض السلاح ولكن السلطات المصرية أرادت مصادرته، فقال عبدالقادر للضابط المصري “إنه للدفاع عن الأقصى الذي ليس لي فيه أكثر منك” فاستجاب الرجل على الفور، وأمن السيارة أثناء عبورها على نقاط التفتيش، كما قدم للحسيني عددا من قطع السلاح مساهمة منه في الجهاد المقدس.

وفي لبنان حاول عبد القادر شراء السلاح من مكتب في بيروت إلا أن طلبه قوبل بالرفض، وحين بحث عن السبب وجد أن رجال جامعة الدول العربية وراء ذلك.

لم تترك جامعة الدول العربية أي فرصة لمنع وصول السلاح لأيدي الفلسطينيين، وحتى صفقة الاسلحة التي تبرع بثمنها الخيرون من أجل فلسطين، والتي اشترتها جامعة الدول العربية -عبر سوريا- من مصانع شكودا التشيكية ،استولى عليها الصهاينة في ظروف غامضة، وقد اعلن أن الشحنة اكتشفت بواسطة بعض العناصر الاستخباراتية.

يقول المجاهد كامل الشريف أن كل ما أعطاه جيش الإنقاذ لعبد القادر الحسيني هو مبلغ 370 جنيها، ويضيف ساخرا” ولا أدري إن كانوا قد طلبوا منه أن يشتري السلاح من هذا المبلغ”.

                                                 القائد بين رجاله بعد تشكيل كتائب الجهاد المقدس

لم يكن لهذا القائد العربي المجاهد أن يتحمل كل هذا الكم من الخيانة للقضية خاصة بعد أن رأى أكداس العتاد الحربي التي من المفترض أنها لجيش القاوقجي ملقاة في العراء ليأكلها الصدأ فيصرخ الحسيني في وجوه رجال الجامعة “نحن أحق بالسلاح المخزن من المزابل، إن التاريخ سيتهمكم بإضاعة فلسطين، وإنني سأموت في القسطل قبل أن أرى تقصيركم وتواطؤكم”.

حياة ذلك البطل الذي ارتقى شهيدا في معركة القسطل في الثامن من أبريل من عام النكبة- تعد سجلا حافلا بكل أشكال البطولة والنضال، منذ أن كان طفلا يتعلم في مدرسة روضة المعارف الابتدائية في القدس، وحين التحق بمدرسة “صهيون” الإنجليزية، وهي المدرسة العصرية الوحيدة آنذاك حيث أتم تعليمة الثانوي ونال شهادة “المتريكوليشن” سنة 1927، ثم موقفه الوطني الغيور على أمته وعقيدته في الجامعة الأمريكية ببيروت حيث كان يدرس، مما أدى إلى طرده من الجامعة، وإلى التحاقه بقسم الكيمياء بالجامعة الأمريكية بالقاهرة حيث انتهز حفل تخرجه واجتماع عدد من الوزراء ورجال السلطة؛ فوقف خطيبا في الحضور كاشفا زيف الدور العلمي الذي تزعم الجامعة الأمريكية القيام به، واتهمها بأنها بؤرة إفساد ديني، إذ تطعن في الدين الإسلامي وتشوه الدين المسيحي، وانتهى إلى مطالبة المصريين بمقاطعة الجامعة الأمريكية. وبعد عدة أيام وزع بيانا تفصيليا على الصحف المصرية، ضمنه اتهاماته للجامعة الأمريكية. وإثر ذلك أصدرت الحكومة المصرية – في عهد اسماعيل صدقي باشا – أمرا بطرد عبد القادر الحسيني من مصر.

مع نهاية سنة 1932، عاد عبد القادر الحسيني إلى فلسطين، ليعمل محررا في صحيفة الجامعة الإسلامية، التي كان يترأس تحريرها الشيخ سليمان التاجي الفاروقي، ثم عمل مأمورا في دائرة تسوية الأراضي في فلسطين. وفي هذه الدائرة تمكن عبد القادر من إحباط أكثر من محاولة للاستيلاء على أراض عربية. على أنه بعد أقل من سنتين استقال من عمله في تسوية الأراضي، حتى يلتحق بالثورة على الاحتلال البريطاني والحركة الصهيونية.

مع اشتعال ثورة 1936 – 1939، لجأ عبد القادر إلى الجبال، وخاض عدة اشتباكات مع الجنود البريطانيين، أهمها اشتباك الخضر (4/10/1936) الذي سقط فيه القائد السوري سعيد العاص شهيدا فيما أصيب عبد القادر الحسيني بجروح بالغة، وتمكنت القوات البريطانية من أسره. لكنه نجح في الفرار من المستشفى العسكري في القدس، وتوجه إلى دمشق، حيث استكمل علاجه.

عاد عبد القادر مع بداية سنة 1938 إلى فلسطين، وتولى قيادة الثوار في منطقة القدس. وفي أوائل مايو من تلك السنة قاد هجوما عسكريا على مستعمرة “فيغان” الصهيونية، جنوب القدس. كما كبد القوات البريطانية في القدس وبيت لحم والخليل وأريحا ورام الله وبئر السبع خسائر جسيمة في الأرواح والمعدات. ونجح في القضاء على فتنة دينية، كان الانتداب البريطاني يسعى بها للوقيعة بين مسلمي فلسطين ومسيحييها.

وفي خريف سنة 1938 ضربت القوات البريطانية حصارا محكما على قوات الثوار، بين بيت لحم والخليل. واستشهد في تلك المواجهة غير المتكافئة عدد كبير، وكان نصيب عبد القادر جراحا بالغة، فنقله زملاؤه إلى المستشفى الإنكليزي في الخليل، حيث قدمت له الإسعافات الأولية ، قبل أن ينقل خفية إلى سورية، فلبنان، ومن هناك نجح في الوصول إلى العراق بجواز سفر عراقي، يحمل اسم محمد عبد اللطيف.

في بغداد عمل عبد القادر مدرسا للرياضيات في المدرسة العسكرية في معسكر الرشيد، وهي إحدى المدارس المتوسطة. ثم التحق في أول إبريل سنة 1940، بدورة لضباط الاحتياط في الكلية العسكرية مدتها ستة أشهر.

أيد عبد القادر الحسيني ثورة رشيد عالي الكيلاني الوطنية العراقية، التي نشبت في آذار سنة 1941، وشارك مع كثيرين من رفاقه الثوار الفلسطينيين اللاجئين إلى العراق في قتال القوات البريطانية.

وعندما انهزمت الثورة حاول مع رفاقه الالتجاء إلى إيران، لكن السلطات منعتهم، وألقي القبض عليهم وحوكموا وصدرت ضدهم أحكام بالسجن. وتحت ضغط الرأي العام العراقي والرموز الوطنية العراقية، ألغيت أحكام السجن وصدر حكم بنفي الحسيني ورفاقه عشرين شهرا إلى بلدة “زاخو” في أقصى شمال العراق.

فيم بعد اتهم الحسيني بالاشتراك في تدبير اغتيال فخري النشاشيبي، وقضى قرابة العام في معتقل العمّارة.

أفرجت الحكومة العراقية عنه في أواخر سنة 1943، بعد تدخل ملك السعودية، فانتقل عبد القادر للإقامة بين مكة والطائف برفقة أسرته وامتدت تلك الإقامة لنحو عامين.

سافر الحسيني سرا إلى ألمانيا، حيث تلقى دورة تدريبية على صنع المتفجرات، ومع مطلع عام1946، انتقل وأسرته إلى القاهرة ، ونظرا لنشاطه في جمع الأسلحة وتدريب الشباب المصري والفلسطيني عليها وعقده دورات تدريبية في تصنيع واستخدام المتفجرات.. قررت الحكومة إبعاد عبد القادر عن مصر؛ لكن الضغوط التي مارستها القوى الوطنية حالت دون تنفيذ ذلك الإبعاد.

                                 عبد القادر الحسيني بين رفيقيه عرفات وعريقات قبل اقتحام القسطل

وبالرغم من ميل ميزان القوى العسكري إلى صالح العصابات الصهيونية المسلحة في نواحي التدريب والتسليح والحجم، فإن قوات الجهاد المقدس، بقيادة عبد القادر الحسيني، تمكنت من إحراز انتصارات هامة، إذ استسلم الصهاينة في القدس بعد أن حاصرتهم هذه القوات، كما نصبت قوات الجهاد المقدس عدة كمائن ناجحة للقوات الصهيونية، ونسفت بعض المؤسسات الصهيونية، مثل معمل الكحول عند مدينة يافا، وبناية حزيون، ومقر الوكالة اليهودية بالقدس، ومعمل الجير، وبناية المطاحن في حيفا، وبناية شركة سوليل يونيه، ودار الصحافة اليهودية في القدس، التي تضم شركة صحافة القدس، وصحيفة عيلي همشمار، وصحيفة هامشكيف، ووكالة اليونايتدبرس، والوكالة اليهودية للأنباء، فضلا عن نسف حي منتفيوري وشارع بن يهودا في القدس. وقد شن عبد القادر الحسيني بقواته هجمات قوية ضد مستعمرات بني يعقوب، وعطاروت، وميكور حاييم، ورامات راحيل، وتل بيوت، وسانهدريا.

وتمكنت قوات الجهاد المقدس من السيطرة على منطقة القدس ومن التحكم في خطوط المواصلات التي تربط بين أغلب المستعمرات الصهيونية في فلسطين.

                                                        الحسيني أثناء التخطيط للهجوم على القسطل

لقد ضرب الحسيني خلال معركة القسطل الشرسة وغير المتكافئة مثلا رائعا في التضحية والحماسة والاندفاع.. إذ اقتحم القرية ومعه خمس وخمسون مجاهدا وقتلوا نحو مئة وخمسين صهيونيا وحوصروا قبل وصول المدد بقيادة مساعده “رشيد عريقات” وبعد هجوم ضار استمر ثلاث ساعات اقتحمت القوة المعاونة القرية واستطاعت طرد الصهاينة منها؛ وكان الشهيد قد ارتقى بعد أن أصيب إصابة بالغة، وثبت بعد ذلك أنه قتل برصاصة في الرأس أطلقها جندي صهيوني يدعى سلمان إجهازا على البطل الجريح؛ استجابة لأمر قائده، ولم يعرف الصهاينة أن الرجل هو القائد العربي عبد القادر الحسيني الذي أذاقهم الويل وقتل منهم المئات لأكثر من عشر سنوات.

في اليوم التالي لاستشهاده دفن البطل في القدس إلى جانب ضريح والده في باب الحديد.. رحل وهو في الأربعين من عمره بعد أن ترك لنا نموذجا فريدا؛ ليكون قدوة للأجيال العربية المؤمنة بقضيتها المحورية مهما ترددت في الأبواق أقاويل المخنثين.