عن المساحات المستباحة بين الديني والسياسي

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

ربما لم يكن الانقسام المجتمعي المستشري بين شرائح المجتمع المختلفة في السنوات الأخيرة هو أخطر النتائج المترتبة على حالة الاستقطاب السياسي التي شهدتها مصر منذ اندلاع ثورة يناير 2011 وحتى اليوم، فقد كشفت حالة الانقسام السياسي عن أنماط أخرى من الانفصام المجتمعي أكثر خطورة على الصعيدين الديني والثقافي بما يمثله من تهديد وحدة نسيج المجتمع المصري من ناحية، وما يتخفى وراءه من ضعف وخلط بين مساحات الديني والسياسي، بحيث أصبح كل طرف سياسي يسعى لاستكشاف مسوغاته ومبرراته في النص والتراث الديني، ويٌعاد استدعاء اتهامات سياسية تاريخية لتوصيف الفرقاء كوصف شريحة لأخرى بالخوارج، وهو توصيف سياسي لا يخلو من دلالة دينية عند البعض.

وهو ما بات واضحا في العديد من حالات التكفير الديني القائم على أساس من مجرد الخصومة السياسية، نتيجة استحضار فهم خاص لبعض النصوص الدينية واسقاطها على أوضاع الخصوم الأمر الذي يبيح حٌرمة اعتقاد الخصم أولا ثم دماءه ثانية.

والسؤال هو: من أين لمجتمع يملك في شخصيته مخزون ثقافي وحضاري متميز للقدرة على استيعاب الآخر، ناهيك عن ثقافة دينية إسلامية أكثر ما يعبر عن قيمها هو التسامح مع الآخر بمفاهيمه المتعددة؛ هذه النزعة الى الاقصاء؟ وهل يمكن أن نرد هذا الاستحضار إلى مجرد دناءة في الممارسة السياسية أم إلى حالة من الخلط وسوء المعتقد؟.

لا نريد  أن نتعجل في تقديم الجواب فنردها الى بعض مؤلفات الراحل سيد قطب، أو  إلى ما هو أبعد من ذلك متمثلا في شخصي أبو الأعلى المودودي وشيخ الجزيرة العربية محمد بن عبد الوهاب وما انبثق عن ثلاثتهم من فكرة الحاكمية في مقابل المجتمعات الجاهلية؛ لأن الواقع أن استحضار النص الديني في فترات الخصومة السياسية، واستعماله بغرض احتكار الحقيقة أمر ليس مستحدثا فقد شهد التاريخ السياسي الإسلامي العديد من الوقائع في هذا المضمار  سواء أثناء الفتنة الكبرى، أو في ممارسات الفرق الكلامية تلك الفرق التي تأسست على أساس من الانحياز لمفاهيم دينية لم تخلو في كثير من الأحيان من الأبعاد السياسية.

لذلك نرجح أن مرد هذه المسألة نابع من عدة أمور:

أما الأول فيما يتعلق ببنية التراث الاسلامي نفسه، الذي أعلى من قيمة فهم السلف للنص الديني الى الحد الذي جعله لا يقل عنه قداسة، وبالتالي أصبح فهم أحد الائمة لنص ما – الذين هم في كثير من الأحيان خاصين بجماعات دون أخرى –  هو عين النص، وهذه القدسية للأئمة أصبحت في توقيتنا هذا مكمن الخطر مع توظيفاتهم السياسية، كما أن من ينتسب لهؤلاء من دعاة غير خاف انحدار مستوياتهم العلمية سواء في فهمهم لعلوم الدنيا أو الدين على السواء، وهو ما يؤكد على ضرورة مراجعة بنية العقل المسلم.

أما القضية الثانية  فهو أنه قد تزامن مع بداية القرن العشرين سواء مع رشيد رضا ومحب الدين الخطيب او مع حسن البنا بزوغ فكرة نشأة جماعات دينية تفصل بينها وبين التيار الديني الرئيسي المتمثل في مؤسسات الدولة الدينية مسافة، وقد صار  لتلك الجماعات مع مرور الوقت رموزها الدينية والدعوية التي خالف، في كثير من الأحيان، فهمها للنصوص الدينية مؤسسات الدولة الرسمية، ثم تجذرت هذه المسافة مع وقوع المؤسسات الدينية الرسمية في أحضان الدولة بشكل كامل في أعقاب ثورة يونيه 1952.

ففي الشارع المصري خطابان دينيان، الأول شعبوي أكثر تماسا مع احتياجات الناس وإرضاء لخواطرهم حتى لو كان ذلك على حساب المسألة الدينية ذاتها، في مقابل الخطاب الديني الرسمي، ففوائد البنوك على – سبيل المثال-  مستقر حليتها عند المؤسسات الدينية الرسمية كدار الافتاء، بينما يسود عند الرأي العام فكرة حرمانيتها شرعا بناء على فهم بعض الدعاة الذين لا دراية دقيقة لهم بأشكال المعاملات البنكية وأنواعها وما ينطبق عليها فكرة المعاملة الربوية أم لا.

أما الأمر الثالث فهو ما جرت عليه عادة الفئات المتدينة عموما في أوقات الضيق والشدة من استحضار للغيببي في الواقع، والديني في السياسي في سبيل خلق حالة من الشعور بالتراضي لعدالة القضية التي يصارعون من أجلها من ناحية، واستجداء تأييد السماء من ناحية أخرى، والسماء لا تؤيد المؤمنيين إلا في مواجهة الظالمين والضالين والكافرين، وهي مقدمة منطقية وطبيعية لتكفير المجتمعات واستباحة الدماء على نحو ما يجري في أرض سيناء.

في هذا السياق يمكن فهم ما جرى في ميدان رابعة عن هبوط جبريل، أو إمامة الرئيس المخلوع للأنبياء، وأن تساق تلك التخيلات الخرقاء على لسان أحد الأكاديميين الذي يعمل كأستاذ للتاريخ الاسلامي.

الخلط بين الديني والسياسي أصبح جزءا من تكوين العقل المسلم، ولم تفلح كل الدعوات على مدار القرن الماضي للفصل بينهما، فكانت دائما كغرس لبذرة في غير موطنها، ولم تتجل نظرة إسلامية واضحة تحدد ما لقيصر وما لله.