القلب الاخضراني.. يفضل ضله في حضن التراب موجود


القلب الاخضراني.. يفضل ضله في حضن التراب موجود

إعداد: وائل فتحي

«كما لو تريدونني أن أعتقل فرنسا بكاملها».. رد تاريخي من الجنرال الفرنسي شارل ديجول، على مستشاريه الذين نصحوه باعتقال أحد أهم وألمع فلاسفة وكتاب العالم جان بول سارتر، خلال انتفاضة 68 الشهيرة، يعكس كيف يمكن أن تتراجع السلطة مهما بلغت قوتها ونفوذها، أمام الغطاء الشعبي للمبدع، هكذا كان الحال مع شاعر مصر الكبير عبد الرحمن الأبنودي، الذي تعرض في بداية مسيرته للاعتقال في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وكان «سارتر» سببًا غير مباشرًا لخروجه من المعتقل، إذ اشترط الإفراج عن معتقلي الرأي، لقبول دعوة الرئيس إلى القاهرة، ظل «الأبنودي» مصرًا على وقوفه في صف الغلابة والمهمشين، سواء اتفق ذلك مع السلطة الحاكمة أو لم يتفق، ولم تستطع السلطة أن تعتقله، حاولت أن تلوث سمعته كثيرًا وباءت محاولاتها بالفشل.

“التلميع الإعلامي” يمكن أن يصنع نجمًا ذا ضوء مستعار، أو ظاهرة ما، تشغل الناس لأيام، ولكنه لا يستطيع أن ينسج هذا الغطاء الشعبي المتين، الذي تمتع به «الأبنودي»، الذي لم يحمه من السلطة فحسب، بل حماه وسوف يظل يحميه من النسيان، إذ يمكن أن تعكف الجامعات المصرية على دراسة أسماء بعينها لتحنيطها وحفظ تجاربها، لكن لا يمكنها أن تجعلها جزءا من هوية الشعب، كما فرضت تجربة الأبنودي نفسها، بوصفها منتج جماعي، شارك فيه العامل المهمش والفلاح الفقير والمفكر المستنير والشاب الثوري.

«مثقف الخانة الآمنة» هكذا ردد البعض ووصف الخال خلال حياته، حين قال أن معارضة  النظام أو الوفاق معه، يستحيل أن يستقران طوال الخط، وأن المستمر والأكيد هو الانحياز للناس، هكذا كان يدرك ويعي تغير المواقف والظروف، وهذا ما رأيناه، حين انفجر مع الشباب في أيام الثورة الأولى، غنى ضد مبارك، وبعده ضد المجلس العسكري، وغني للثوار ومعتقليهم بالأسماء مثل “علاء عبدالفتاح”، ولكنه وعقب وصول الإخوان للحكم ومحاولاتهم لسلب الهوية المصرية، عاد ليغني علاقة الشعب والجيش، بل واتهم بعض من الشباب بالخيانة، وهو ما لم يسامحه البعض منهم، ولكن ظل الأبنودي، شاعرًا حيًا وفتيًا حتى أيامه الأخيرة، يختلف ويتفق، ويحارب وينتصر ويهزم، ويعود من جديد، بل وظل المصريون ينتظرون القصيدة الجديدة التي سوف يكتبها الخال..