محمود درويش.. لا يعانق غير الغمام (ملف خاص)

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨


محمود درويش.. لا يعانق غير الغمام (ملف خاص)

اعداد: أحمد نبيل خضر

لن نبدأ بسطور من أشعاره كما اعتاد الجميع، ولن نحكي كيف عاش ومات ودرس وعمل وكافح وقاوم وتمرد فاعتقل، لن نسرد إنجازاته ولن نلجأ حتى لبعض صوره في شوارع القاهرة أو في أوروبا، أو حتى على منصة الشعر، يكفي أن نكتب اسمه بخط تقليدي «محمود درويش»، ليبدأ الشريط ـ بلا توقف ـ بالحركة في ذكريات عرفناها عنه، نتذكر تلقائيًّا ريتا والبندقية، وخبز أمه، وقهوة أمه، أوراق الزيتون، نتذكر وحدنا يوميات الحزن العادي، ونغني معًا: «أعدّي لي الأرض كي أستريح/ فإني أحبّك حتى التعب/ صباحك فاكهةٌ للأغاني/ وهذا المساء ذهب/ ونحن لنا حين يدخل ظلٌّ إلى ظلّه في الرخام/ وأشبه نفسي حين أعلّق نفسي/ على عنقٍ لا تعانق غير الغمام/ وأنت الهواء الذي يتعرّى أمامي كدمع العنب/ وأنت بداية عائلة الموج حين تشبّث بالبرّ/ حين اغترب/ وإني أحبّك، أنت بداية روحي، وأنت الختام/ يطير الحمام/ يحطّ الحمام…».

يحل أغسطس وتمر سنة جديدة على وفاته، هذا العام نقرأ معًا في دراسات، اهتم النقاد خلالها بالوقوف على الحرف والكلمة في قصائد محمود درويش، بالتحليل والنقد، ولأنه قال «ما كان لي أمسي.. وما سيكون لي»، فهذا له كذلك، نقدمه له/ لروحه وللقراء..

 حكاية الذات والوطن

في دراسة للدكتور رمضان عمر، بعنوان «قراءة في سردية المشهد الشعري عند درويش»، يؤكد أن درويش استطاع أن يفتح بوابة الشعر الغنائي على السرد الحكائي، بعد أن انساحت المسافات بين كل من الدرامي والغنائي والسردي، وبعد أن أخذت الأجناس الأدبية تقتبس من بعضها بعضًا تقنيات عديدة، فتشكلت له قصائد ذات بنى تركيبية تمزج بين الذاتي والموضوعي، وتقف هذه الدراسة وقفتين متتاليتين على نصين لدرويش، مثلًا حكاية الشعب الفلسطيني منذ النكبة حتى اللحظة.

نلقي الضوء على جزء من الوقفة الأولى في الدراسة، إذ يقف فيها الباحث مع ديوان درويش “لماذا تركت الحصان وحيدًا؟”، الذي يراه اتخذ شكل الحكاية، وهي حكاية الذات/ الوطن/ النكبة؛ فدرويش يحاول كتابة سيرته معتمدًا على التذكر؛ فيرتد الزمن الحكائي إلى الماضي البعيد، حيث درويش ووالده يعتسفان جبال شمال فلسطين إلى دولة الريح: «إلى أين تأخذني يا أبي؟ إلى جهة الريح يا ولدي»، هذا هو المشهد الافتتاحي لرحلة التشريد، يتجلى في هذا السؤال الحائر “أين”.

ويوضح أن البنية السردية ـ هنا ـ تنفتح على حوارية؛ ولد يسأل وأب يرد، حوار ينبئ عن رؤية ذات دلالات بعيدة، لم تأت جزافًا ولا عبثًا؛ فلم يكن رد الأب محايدًا موضوعيًّا، يقول ما يوافق العالم الخارجي، بل كان خطابًا متلبسًا بوعيه، ومتأثرًا بمنظومة القيم التي تحكمه، هذه هي البداية إذن، قصة حكاية الرحيل والتشريد، وهي حكاية الذات والجمع معًا، حكاية درويش الطفل، وحكاية شعبه المنكوب.

ويقول: عند تأمل البنية السردية، فإن الطابع العام لهذه البنية ينحى منحى رمزيًّا فلسفيًّا، يؤطر لعلاقة جدلية بين المكان والزمان، يبدو ذلك واضحًا منذ العبارة الأولى “إلى أين تأخذني”، لك أن تتساءل عمن يقف وراء هذا الصوت: أهو صوت الابن فعلًا؟ أم الشاعر، أم الراوي؟ فإن ذلك سيكون مفتاحًا لدراسة طبيعة التشكيل الهندسي لهذا النص، ولك أن تتساءل ـ أيضًا ـ ما قيمة هذا الاستفهام في سياق المشهد الافتتاحي؟ وما أثره في تطور الحدث ودلالاته؟

ويضيف: الراوي هنا هو من يقول على لسان الأب: “إلى جهة الريح”؛ لأن منطق التلقي الواعي يرفض قبول فكرة أن تكون إجابة الأب هذه: “إلى جهة الريح” قد حصلت فعلًا؛ ذلك أن هذه العبارة شعرية فعلًا، ورمزية إلى حد الاعتقاد بأن درويشًا هو من أنتجها، ثم أسلمها إلى راو كلي المعرفة؛ ليوزع الأدوار بعدها؛ فيجعل هذه العبارة من نصيب الأب، نعم لقد استخرجها درويش من قاموسه، وأسلمها لراو اتكأ عليه النص، ثم أجراها الراوي على لسان والد درويش الحقيقي، وما يدعو إلى هذا الزعم أنه: لم يحصل أن جاء في حوارات درويش أن أباه قال له هذه العبارة، وهما يغادران فلسطين إثر النكبة الأولى.

 إحباطات ومقاومة

يقرأ كذلك الدكتور أحمد منصور في كتاب «ذاكرة للنسيان»، ليقول: محمود درويش، الشاعر الذي تغنى الوطن العربي بشعره المقاوم، والذي زار حلب وأنشد فيها لأول مرة قصيدته الخالدة “عابرون في كلام عابر”، التي تعتبر أكثر من صفعة ونبوءة مستقبلية بمصير الكيان القريب: «أيها المارون بين الكلمات العابرة/‏ آن أن تنصرفوا‏/ وتقيموا أينما شئتم، ولكن لا تموتوا بيننا‏/ فاخرجوا من أرضنا‏/ من برنا.. من بحرنا‏/ من كل شيء.. واخرجوا‏».

ثم يؤكد: محمود درويش شاعر المقاومة الصامد في زنزانات العدو المحتل لوطنه، المتشرد في أرض الله الواسعة في الشرق والغرب، الذي كان يتغنى بذكريات وطنه المسروق، ويعلن أن فلسطين لن تستعاد باللقاءات، بالمؤتمرات، بالمباحثات، بالندوات، بمجلس الأمن فكل ذلك وهم وخداع، وإن عودتها عربية واستعادة وجهها الجميل الذي قبحه الغزاة الهمج لا يكون إلَّا بالمقاومة.. شعلة الحياة المقدسة.. المباركة.. المقاومة بكل ضروبها: بالشعر، بالأدب، بالموسيقى، بالرسم، بالنحت، بالسينما، بالصحافة، إلى جانب الاحتفاظ بالسلاح جاهزًا.. تلك هي طرق العودة إلى بيارات الزيتون وكروم العنب وبساتين البرتقال والليمون.. وإلى تحرير الأقصى الذي طال أسره من قبضة قراصنة الدمار والقتل.. غضب الله ولعنة الأمم.‏

وعن رأيه في الكتاب يقول: “ذاكرة للنسيان” تميزت بنزيف قلب يتمزق، أعصاب تحترق باللوعة والغربة والشوق للوطن، الذي كان الشاعر يتلمس ظلاله وهو يمشي في شوارع بيروت المحاصرة من قبل قطعان يهوذا عام 1982، لقد لامست نصوص ذاكرة للنسيان قلوب محبي محمود درويش فطبعت عدة طبعات كان آخرها الطبعة الثامنة عام 2007، منذ الصفحات الأولى يطالعنا الشاعر بإحباطاته التي تغلف إرادته المقموعة بوجوده في غرفة موصدة تتعرض لإطلاق الصواريخ، إنه يحاول استعادة تفكيره بالحصول على فنجان قهوة: “أريد رائحة القهوة لأتماسك، لأقف على قدمي، لأتحول من زاحف إلى كائن”.‏

مديح لصورة الشاعر

محمد نعيم فرحات، اقتبس من رينيه ويليك قوله «إن الحقيقة في الأدب مثل الحقيقة خارجه، إنها حقيقة نظامية يمكن اتباعها علنا على رؤوس الأشهاد»، كتقديم لدراسته وعنوانها «محمود درويش: رسم لأبعاد في صورة الشاعر»، ويبدأها قائلًا: هو ابن الساحلِ السوري وصدى كل الهلال الخصيب وأعالي العروبة وأعلى العرب، ابن البدايات التي صَعدتْ بنا وتَصعدتْ نحو النصر بالكلمات، فانتصرنا على يدي ملك ترك لنا الكلام آفاقًا ستبقى إلى أبد، ملكٌ عصف بالسقم الذي فينا وحول المعاني لجيش من الروح الناهضة التي تأخذ في طريقها كل شيء، كل شيء، وأعادنا لأنفسنا سالمين مع جروح بليغة، كانت شرطًا لاستعادة وعينا المنشود. ملكٌ أرسل النصوص في أربعة أرجاء وجودنا كي تستعيدنا من الخيبة والانكسار، وكانت مزودة بوصية واحدة فقط: يعودون قتلى وُيعلن عن موتهم أو يعودون غانمين قادمين، ربحوا معركتَهم ضدَ شوائبهم، ليذهبوا في الطريق الشاق نحو الفوز بحروبهم ضد أعدائهم، محمولين على أمر واحد فقط: أن يكون اندحارُهم الوحيد وتنازلهُم الأخير هو النصر لا غير، فطوبى.

لم يتوقف عند تلك الكلمات النارية؛ لأنه أضاف: محمود درويش صاحب الجسد الرقيق المليء بالحزم والنزق في تفاصيله وثناياه، يتعهدهُ الغمام ويذهبُ به في النشيدِ: ليروي ويقول ويَشهد وُيدينُ ويَستولدُ ويَرفعُ ويَكشفُ ويُميطُ الحرير عن البسيطِ، ويَصعدُ بنا وَيهوي بجمال قاسٍ، ويُعرينا كي يؤثث روحنا وكبدنا ووجدنا بالقيامة من جديد، ويحملنا عنوة إلى هناك، إلى حيث: يجب ويتعين ولا يفترض…!!

يبدو أن سطوره كلها مدح حلو المذاق في حق درويش، حتى إنه قال: على قلق اليقين نام، و”كأن كل الريح تحته” أو لا شيء أصلًا، وكان يصحو على نص لا يعودُ له ما أن يقوله، نص ينتظم دون عناء في صيرورةِ إعادة تشكيل الوعي وإعماره، وفي هندسة الروح والمعاني والأزمنة والجمال والذائفة والثقة، وتوليد القوة والقدرة من العذاب والخيبة والانكسار والوعد، ولطالما شد شعبه ـ الذي حولته ريح عاتية لعهن المنفوش ـ لقرون يابسة ليقف عليها في طريقه لاسترداد معناه، لا، لم يشهد تاريخُ قولنا المعاصر نصوصًا معمارية، أعادت ترتيبَ الروحِ والوعيِ بجمالٍ موجوع مثلما حاولت نصوص درويش.

حرًّا صار أسطورة

نبتعد عن الكلام الناعم، ونذهب إلى دراسة مفيد نجم «التناص الأسطوري فـي شعر محمود درويش»، التي يؤكد خلالها أن أهمية الأسطورة تنبع من حضورها في الثقافة الجمعية، ومن كونها تمثل انعكاسًا للاشعور الجمعي مما يجعل استدعاءها، يستدعي معها فضاءها التخييلي والوجداني ودلالتها الرمزية الموحية، وأن استدعاء الأسطورة وكثافتها الرمزية، من خلال مستويات التناص وآلياته المختلفة، في تجربة الشاعر درويش، ينبع من طبيعة الرؤية التي تقدمها هذه التجربة، على المستويين الفكري والجمالي، وإذا كان الرمز الأسطوري الشرقي الذي ينتمي إلى حضارات المنطقة العربية القديمة يأتي في صدارة التراث الأسطوري، الذي يجري استدعاؤه في قصائد الشاعر، فإن التراث الأسطوري الغربي، يأتي تاليًا معبرًا عن انفتاح القصيدة على التراث الإنساني، الدال على تداخل وتفاعل هذا الموروث الأسطوري من خلال انتقاله من ثقافة إلى أخرى، في رحلة الحضارات والثقافات الإنسانية عبر التاريخ.

ويقول لك أيضًا: إن استخدام هذه الرموز في القصيدة يجب أن يكون نابعًا من حاجة القصيدة إلى تلك الرموز، وما تمتلكه هذه الرموز، من مجال درامي أسطوري يتفاعل مع تجربة الشاعر المعاصرة؛ لأن على هذا الاستخدام أن يتجاوز ذكر الرمز الأسطوري، أو الحكاية الأسطورية إلى (مستوى الاستلهام والاستيحاء والتوظيف من خلال خلق سياق خاص يجسد تفاعل الأسطورة مع التجربة الشعرية، ما يجعل هذا التناص معها يعيد تشكيلها وتكثيف دلالاتها الموحية، وتطوير بعدها الدرامي، بما يجعلها تتفاعل مع التجربة الشعرية للقصيدة، ويعمِّق اتصالها مع التجربة الوجودية والإنسانية بأبعادها الدرامية المختلفة، وفي قراءة للتناص الشعري عند الشاعر مع هذا التراث الأسطوري يظهر التعدد في آليات التناص ودرجاته ومستوياته المختلفة، فإلى جانب تناص الخفاء، هناك تناص التجلي.. وإلى جانب استدعاء الشخصيات والرموز الأسطورية، هناك تقنيتا القناع والامتصاص والتذويب.

وللتوضيح: تنتمي الأساطير التي تتفاعل معها تجربة الشاعر وتستدعيها إلى أزمنة وحضارات مختلفة، منها ما يعود إلى حضارات وادي الرافدين القديمة، والحضارة الفرعونية وحضارات الساحل السوري، ومنها ما ينتمي إلى حضارات الرومان والإغريق، ما يشي بتنوع مصادر هذه الأساطير، وتنوع موضوعاتها ودرجاتها بهدف التأكيد على وحدة التجربة الإنسانية وغناها، إضافة إلى تداخل مستويات هذه التجربة من جهة بأبعادها الوجودية والدلالية والتخييلية، ومن جهة ثانية ويكشف عن حركة انتقال الأسطورة في المكان والزمان أو التناص الأسطوري المتجدد الذي كشفت عنه رحلة هذه الأسطورة من حضارة إلى أخرى، ومن ثقافة إلى أخرى.

ويضيف: إن قيمة توظيف الأسطورة أو توظيف رموزها وشخصياتها لا تتمثل في بعدها الدلالي الذي تنطوي عليه، وإنما تتجاوزه إلى البعد الجمالي المتأتي من حضورها في اللاشعور الجمعي، ومن الكثافة والتوتر الدرامي اللذين تمتلكهما، والفضاء التخييلي الذي تستدعيه معها. وقد تمثل حضور الأسطورة في قصائد الشاعر في محورين اثنين، فهي إما أن تكون محور النص وبؤرته، وفي هذا المحور غالبا ما يكون اسم الأسطورة مذكورًا في عنوان القصيدة، وإما أن يكون في جزء من الأسطورة. وقد يستخدم الشاعر الكثافة التكرارية لاسم الشخصية الأسطورية، أو يتم استدعاء هذه الأسطورة دون ذكر لاسم شخصياتها. ومن الملامح الأخرى لاستخدام الأسطورة، أو استدعاء أحد شخصياتها أن القصيدة قد تكون حديثًا عن الأسطورة، أو يكون الخطاب موجهًا إلى شخصية أو رمزًا يحيل عليها، كما قد يكون المتكلم في القصيدة هو الشخصية الأسطورية، أو شخصية الراوي التي هي شخصية الشاعر.

مصلوب في رحم القضية

وتخبرنا الدكتورة شادية شقروش، في دراسة بعنوان «محمود درويش المصلوب في رحم القضية»، أنها وجدت في وفاة محمود درويش، لحظة للوقوف بإجلال أمام بعض أعماله الكبيرة وقصائده التي دخلت كل بيت وسكنت كل وجدان، كما قرأت القضية الفسلطينية بأكثر من عشرين لغة، بل وأرخت لتاريخ قضية بلده وشعبه وأهله، مالم تستطع معه الأيام إدثاره في غياهب التراكمات.

وتقول: وما لفتني منها “أنا يوسف يا أبي” و”في يدي غيمة” و”مديح الظل العالي” و”لم أعتذر للبئر”، بكونها تلتقي فيها مفردات نابضة، بخاصة قصيدة أنا يوسف يا أبي، وما تحمله هذه القصيدة من ربط تاريخي يجمع الماضي، بكل مكوناته الأسطورية، في الذاكرة المتواترة مضمونًا المتعددة رموزًا، ليحضره في واقع الأيام يرسم صورة معاناة هذا الشعب وهذه القضية بإبداع يصعب على غير الشاعر الراحل إحضاره في متون القصيد. وفي بعد آخر لهذه القصيدة، إن درويش بذكائه الفطري، يعلم مدى حضور قصة يوسف في الذاكرة الإنسانية، وليس الإسلامية فحسب، لما تختزنه من بلاغة في الموضوع وإنسانية تحاكي الوجدان وتشعل الخاطر، فكانت قصيدة يوسف تأخذ أبعادها بكل المقاييس لتكون خطابًا إنسانيًّا كما هي القضية الفلسطينية، وكما كان يريدها ويراها درويش.

في رأيها أن: الشعراء استمدوا مادتهم من تاريخ البشرية، وتعاملوا مع موضوع يوسف بحرية، ولعل أبرز من تمثّل هذا الموضوع هو الشاعر محمود درويش، حيث اتخذ من موتيفات يوسف رموزًا للتعبير عن القضية الفلسطينية، فتحول يوسف إلى نموذج اللاجئ، الفقير، المنبوذ..إلخ، ولعل الصورة المشاهدية التي تتماشى مع المعطيات الراهنة هي صورة الأخوة الأعداء الذين زجوا بيوسف في عمق البئر.

وتعود لتكشف: لم تكن عبارة “أنا يوسف يا أبي” في النص “المقدس” موجهة إلى الأب، وإنما كانت موجهة إلى الإخوة ليؤكد لهم أنه هو يوسف، وأن الله أكرمه، ولكن النص الشعري فارق النص المقدس بكلمة “يا أبي”، فتبدو عبارة محمود درويش “أنا يوسف يا أبي”، طافحة بالشكوى، وبالمسكوت عنه في النص المقدس، وكأنه بهذه الصياغة يخبر عن شكوى يوسف لأبيه، وهي كلمات ترد على شكل حضور صريح تأخذ شكل ومضات تتسع ببريق القصة الدينية ليتوارى خلفها كلام مفارق “يؤسس شكلًا آخرَ من أشكال الحضور، يتسم بالغموض والخفاء”.